اخبار

قتيلة اسمها الصحافة

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في 11 أبريل 2018، جلس مؤسس فيسبوك ومديرها التنفيذي، مارك زوكربيرغ، أمام الكونغرس الأمريكي في جلسة استماع على خلفية فضيحة تسريب بيانات المستخدمين لشركة كامبريدج أناليتيكا، واستخدامها لاستهداف الناخبين الأمريكيين عبر دعاية سياسية مفصلة خلال حملات الانتخابات الرئاسية 2016، وفي انتخابات أخرى حول العالم، وأيضا خلال تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

انحنى رئيس الجلسة، عضو الكونغرس الجمهوري، غريغ والدن، إلى الأمام على كرسيه الجلدي الأسود الضخم، وتناوبت نظراته إلى زوكربيرج بين أوراقه، الذي جلس خلف مكتب طويل أسفله بعدة أمتار.

رحب والدن بمؤسس فيسبوك قائلا: هناك أسئلة حرجة لم تتم الإجابة عنها تحيط بنموذج أعمال فيسبوك.. ما هو فيسبوك بالضبط؟ منصة اجتماعية؟ شركة بيانات؟ شركة إعلانات؟ ناقل مشترك في عصر المعلومات؟ كل ما ورد أعلاه؟ أم أي شيء آخر؟

لم يُسمح لزوكربيرج بالإجابة بعد.. جلس بهدوء خلف مكتبه الطويل، يحتسي الماء من كوب ورقي أبيض وضع أمامه، بينما ينظر إلى عضو الكونغرس كتلميذ في المدرسة منتبه لمعلمه، إلى أن انقض عليه غريغ والدن مباشرة: “هل فيسبوك شركة إعلامية؟

لم يرفع زوكربيرغ عينيه عن والدن، لكنه أجاب بصوت ثابت: “اعتبر فيسبوك شركة تكنولوجيا، لأن الشيء الأساسي الذي نقوم به هو وجود مهندسين يكتبون الأكواد، ويبنون المنتجات والخدمات لأشخاص آخرين. هناك بالتأكيد أشياء أخرى نقوم بها، ندفع للمساعدة في إنتاج المحتوى، نبني برامج للمؤسسات، على الرغم من أنني لا أعتبر فيسبوك شركة برمجيات للمؤسسات.” واستطرد مؤسس فيسبوك: نحن نصنع طائرات للمساعدة في ربط الناس، لكن لا أعتبر فيسبوك شركة طيران. وبشكل عام، عندما يسألني الناس عما إذا كنا شركة إعلامية؟ هل نتحمل مسؤولية المحتوى الذي يشاركه المستخدمين على فيسبوك؟ اعتقد أن الإجابة على هذا السؤال هي نعم.”

إجابة مؤسس فيسبوك مهمة لفهم المشهد الإعلامي المعاصر، لأنها اعتبرت دليلًا أن القيمة الحقيقية للمنصات العالمية مثل فيسبوك وغوغل وأمازون، تكمن في أساليبها المعقدة لجمع البيانات الضخمة، وتحليلها، والاستفادة منها، لتحديد سلوك المستخدم. ما تم تفسيره في الأوساط الأكاديمية بانعكاس مباشر على الصحافة في ثلاث نقاط رئيسية:

1. تحول هائل وأزمة في نماذج الإيرادات، لأن المعلنين هاجروا من وسائل الإعلام التقليدية إلى المنصات الاجتماعية.

2. زيادة التركيز على بيانات المستخدم وتحليلات الجمهور، وأصبح ذلك هو مقياس الصحافة.

3. تغيير أنماط التوزيع التي سيطرت عليها شركات غير مملوكة لمؤسسات صحفية.

علاوة على ذلك، سلطت فضيحة فيسبوك – كامبريدج أناليتيكا الضوء على المشاكل الصحفية المتعلقة بالتضليل، ومفهوم الأخبار الكاذبة، والثقة في وسائل الإعلام بشكل عام. وأصبحت هذه المشكلات الشغل الشاغل للصحافة خلال السنوات الماضية، ليس فقط لأن الأخبار المزيفة يصعب فصلها عن الأخبار الحقيقية، ولكن أيضًا لأنه في بُعد آخر للخطاب الإخباري الكاذب، يُستخدم مصطلح “الأخبار الكاذبة” غالبا لتشويه سمعة الأخبار المشروعة (كما كان يحلو للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب استخدام تعبير “الأخبار الكاذبة – الوسائط المزيفة”، في وصف مؤسسات إخبارية عريقة مثل سي إن إن).

باختصار، فإن اعتماد الصحافة على وسائل التواصل الاجتماعي، وإبداء أهمية قصوى لجذب الإعجاب، والإثارة، على أهمية الخبر نفسه (كما نرى الآن في مصر من صحافة الترند)، يجعل الصحافة نفسها عرضة لتلاعب مؤسف، ما أدى لظهور تأثير رابع:

4 – أصبحت الصحافة أكثر عرضة للتضليل وما يترتب على ذلك من انعدام ثقة الجمهور.

وهو أمر أكده تقرير معهد “أكسفورد – رويترز” للصحافة لهذا العام، الذي رصد انخفاضا “تاريخيا” في الاهتمام بالأخبار، واستهلاكها بشكل عام. النتائج أفادت بأن كل من السياسيين والشباب يشعرون بتمثيل غير عادل في وسائل الإعلام، بدافع نمو الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أعطت مساحة هائلة للآراء غير المنظمة عبر مقاطع الفيديو، والصوت، والنص، ما يشكل ضغطًا جديدًا على مفاهيم الحياد والموضوعية.

ومع انخفاض الاهتمام بالصحافة، ومحاولات الصحفيين في الوقت نفسه عدم التنازل عن معايير الموضوعية والحيادية، برز نقاش مستفيض حول مدى رجاحة فكرة الحيادية عند مناقشة قضايا معينة، في محاولة لزيادة رصيد الاهتمام الذي أوشك على النفاذ عند الجمهور.

فعلى سبيل المثال، عند مناقشة قضية مثل أهمية التطعيم ضد فيروس كورونا، أو قضية أخلاقية، يرى الأغلبية أن تخصيص فترات زمنية متساوية لكل جانب يمكن أن يؤدي إلى “تكافؤ خاطئ”، حيث أن مجموعة واحدة من وجهات النظر مدعومة بأدلة محددة تتساوى مع مجموعة أخرى من الحجج الأضعف التي تفتقر إلى الدعم المادي، ما يخلق انطباعًا خاطئًا في أذهان الجمهور. (كما حدث في مصر، عند مناقشة فضيحة أخلاقية، ما أدى لاستفزاز قطاع عريض من الجمهور، وارتد ذلك مباشرة على مدى الثقة والاهتمام في المحتوى المقدم).

في عصر أصبح فيه استهلاك الأخبار أكثر وفرة، وتشتتًا، وانقساما أيضا، يمكن لشركات الإعلام أن تختار محاولة سد هذه الانقسامات بالخدمات التي تعمل لأكبر عدد ممكن من الجمهور – وليس كل الجمهور – ما يعني اتخاذ الصحافة “وجهة نظر” أوضح، ولكن على الجانب الآخر، يمكنها أيضًا بناء ثقة عميقة مع تلك المجموعة المحددة.

في هذه الحالة، سيكون التحدي هو ما إذا كانت الصحافة التي توازن بين وجهات النظر المختلفة، وتمارس الحيادية بمفهومها التقليدي، يمكنها إشراك الجمهور بشكل كافٍ، وفي الوقت نفسه تتجنب الوقوع في معارك الانحياز، التي كانت سمة السنوات الماضية. كل ذلك يجبر على إعادة التفكير بشكل جوهري حول كيفية عمل الصحافة في العقد المقبل، ليس فقط كعمل تجاري يهدف للربح من أجل الاستمرار، ولكن أيضًا كمهنة.

محمد حلمي

صحفي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى