اخبار

فلسطيني يروي دقائق الرعب والفزع في قصف إسرائيل لبنايته بغزة


09:34 م


الجمعة 21 مايو 2021

كتب- محمد زكريا:

عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف مساء. الليل بالخارج هدوء، رغم الظلمة والوحشة، وما أدراك ما غزة! على أريكة تتوسط صالة المنزل يجلس يزيد أبوصفية إلى جانب والده، وبينهما يدور حديث. عن ماذا؟ حول الأحوال والمستقبل بالطبع. فجأة، يرن الهاتف. رنين يخترق دفء العائلة الفلسطينية. رقم خاص هو المتصل! ألو. معك المخابرات الإسرائيلية. ماذا تريد؟.. لا سكون بعد اليوم ولا دفء أيضا.

أبوصفية: ألو

– معك المخابرات الإسرائيلية

أبوصفية: وماذا تريد منا؟

– راح نقصف المنطقة.. معكم دقيقتان لإخلاء المكان

أبوصفية: غير كاف.. أعطنا 5 دقائق، الأطفال نائمون

– معكم دقيقتان لحياتكم

كان هولا من النوع الذي لا يصدق. أسرة مكونة من 21 شخصا، ضمنهم 7 أطفال و8 نساء، على حافة الموت داخل بناية مكونة من 7 طوابق شمالي غزة، أقر الاحتلال الإسرائيلي قصفها وما حولها، فقط يفصلهم عنه دقيقتان.

في التو واللحظة جرى أبوصفية وإخوته إلى غرف نوم أطفالهم، والهلع يسيطر على وجوههم. حملوهم، بينما اكتفت النسوة بلباس على الرأس. لم يكن هناك وقت لشيء آخر، قبل أن تهرع الأسرة جميعها على الدرج، ولا صوت يعلو فوق الشهادة، دبيب الأقدام، صراخ الأطفال والذكريات.

قبل حوالي 10 سنوات، بنت أيادي أسرة أبوصفية المنزل “بدم قلوبنا وعرق جبيننا”، كما يعبر صاحب الـ25 عاما، في وقت يفرض الاحتلال الإسرائيلي حصارا على قطاع غزة، وما يتبع ذلك من ندرة في مواد البناء ومن ثم ارتفاع أسعارها إن تواجدت في تلك الظروف، ليكلفهم اكتمال البناية في الأخير 3 أضعاف ما هو مستحق لارتفاعها، بينما لم يكن في تلك اللحظة لكل هذا محل من الإعراب، كان على الشاب وهو ينزل درجات السلم مفزوعا أن يودع كل شيء، هذا الدور الذي أشرف على بناء سقفه، ذاك الدرج الذي أمعن في ضبط زواياه، وتلك البوابة التي ركبها بنفسه. ما كان عليه وأسرته فقط في تلك اللحظة هو الوصول إلى الشارع والنجاة من أن يقضي خفقان القلب على حياة أحدهم، أو يطول صاروخ الاحتلال ما تبقى منها.

على بعد حوالي 500 متر من منزلهم، استقرت الأسرة في مكان آمن، بعد أن قطع الجري أنفاسهم اللاهثة، وقبل أن تمر 6 دقائق على المكالمة الإسرائيلية، سمع أفرادها صوت الانفجار الضخم، كان ارتطامه غير مسبوق على أذن أبوصفية، وهو الذي يسكن غزة منذ ولادته قبل 25 عاما ويعيش كل أهوال القطاع وحروبه المستعرة، لكن للمرة الأولى يصيب الهول سكن أسرته وسكينته. غطت حمرة اللهب منطقة الشيخ زايد بالكامل، وهي واحدة من الأكثر أمانا في غزة كما يقول، لكن في القطاع تعتز السماء بلون الدماء والتضحية، ويبدل الهواء أكسجينه بغبار المقاومة. 10 منازل بالكامل قصفتها الطائرات الحربية الإسرائيلية، فيما عجزت أمام صمود وذاكرة أهلها.

في أعقاب 1948، أحكمت ميليشيات صهيونية مسلحة قبضتها على معظم أراضي فلسطين، فيما أخرجت مئات الآلاف من الفلسطينيين من مساكنهم وأراضيهم. هاجر أجداد أبوصفية من بلدة حمامة في الجنوب الغربي من ساحل فلسطين إلى قطاع غزة. استمروا في العمل بالزراعة، لتتوسع أعمالهم ويشتغلون بالتجارة. قديما كانوا يستوردون الخضروات والفاكهة من مصر والأردن ويبيعونها، والآن تقوم تجارتهم على المعدات الثقيلة، وغالبية أعمالهم خارج غزة، بينما تستقر الأسرة بالكامل في البناية منذ 10 سنوات، ويستخدمون باقي شققها كمخازن لتجارتهم، فيما لا يربطهم بالسياسة أو أي فصيل سياسي علاقة تذكر كما يقول أبوصفية، مبطلا مزاعم إسرائيل باستهدافها بنايات يطلق منها صواريخ باتجاه الأراضي التي تحتلها، ومستشهدا بسمعة العائلة وشهرتها في كامل مناطق القطاع.

الذكريات لا تمحى، وآثار العدوان أيضا. مرت الدقائق قاسية على أسرة أبوصفية. 6 دقائق هزمت 10 سنوات. لكن لمرور الساعات حكم آخر، حكم المستقبل. فما يكون العمل بعد أن يتحول منزل أحدهم لركام؟ تحت أي سقف ينام الرجال ويصرخ الأطفال وتتستر النساء؟

لم يكن بدا أمام الأسرة غير السكن في منزل أحد الأقارب، منزل مكون من طابقين يحتضن الآن ما لا يقل عن 60 فردا، يتشاركون معا المأكل والمشرب والملبس. يرضى الشاب بما قسم للأسرة. يحمد الله، يقول إن التشرد أهون من الموت على كل حال. على مقربة منهم هناك ممن لم يمنحهم القدر فرصة للنجاة، مات جيران لهم تحت أنقاض بناياتهم ذات الـ7 طوابق، بعد أن انهارت كتلها الخرسانية على منزلهم ذي الطابقين. 232 شخصا أفادت وزارة الصحة في غزة بمقتلهم، بينهم 65 طفلا، و39 سيدة، و17 مسنا، إضافة إلى 1710 جرحى بجروح مختلفة، خلال استهداف إسرائيل لأبراج سكنية ومنازل ومراكز تجارية بالقطاع في العدوان الأخير.

في الليل يجتمع الـ60 فردا في مكان واحد، غرفة أرضية تقيهم شر القصف، فلا يثق أبوصفية في قدرة الهدنة ووقف إطلاق النار على ردع قوات الاحتلال، يقول إنه اعتاد على إجرامهم منذ أن تفتح وعيه على الدنيا، ولا يستبعد أن تُعيد إسرائيل قصف البنايات السكنية في ظلها، أو حتى بعد الوصول إلى اتفاق ملزم بوقف العدوان، لهذا لا يتمخض عن تجمعهم نوم أو راحة لساعة واحدة، يقول إن النساء لم يذقن النوم من ليلتها رعبا على أطفالهن، ولا يعتقد أنه من الجائز العيش طويلا في مثل هذا الظرف، فلا يمكن أن يتحمل أقرباؤهم هذا الهم الثقيل كل الوقت، يكفي في نظره حجم ما يحمله كل من يعيش في غزة.

الفلسطيني يطالب بالإنسانية.. تعرف على التفاصيل من المحتوى الصوتي التالي:اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى